أبي حيان التوحيدي
256
المقابسات
والغبطة ، ومشاكهة ما لا يزول ولا يحول ولا يبور ولا يحور ، ولا يصل إليك شئ الا ممزوجا ، ولا تصل إلى شئ إلا مكدودا ، لأن الواصل إليك من العلو يخرق حجبا يتشبث به ما يمر به ويتعلق هو ما يجتاز عليه ، وأما الكيف الذي يصحبك فلانك في مركز يتطاول إلى المحيط . وهذه حال خطر وغرر إلا أن يكون الجد صاحبك ، والتوفيق كافلك . أنت سماء فيك كواكب تزهر ، وأرض فيك يجور تزخر ، وهواء فيك رياح تهب ، وجبل فيك عيون تنبع . أقصد بكثرتك قلة ، وبقلتك توحدا ، وبتوجهك بقاء سرمدا ، لا راحة لمخوف دون الأمن ، ولا دعة لراج دون المطلوب ، ولا سكون لمحتاج دون الغنى ، ولا غنى دون درك المنى . ما أجهد الطبيعة في غمر البلاء بك . ما ألطف النفس في إهداء النصيحة إليك ، وما أشرف العقل فيما يجود به عليك ، افرج عن الطبيعة يفرج عنك . أي لا تسمح لها بالهواء فإنها لا تعتدل ، الطبيعة تستهوى ذا اللب الوافر ، وتخدم الحازم الموفور ، وتفل غرب المدل الجسور ، لها في البدن صلاح وفساد ، فقط ، إذا اعتبرت أفعال اللّه وجدت القدرة في وزن الحكمة ، والحكمة في وزن القدرة ، وفي بعضها تجد القدرة والحكمة خافيتين ، وفي بعضها تجدهما ظاهرتين ، فلهذا وأشباهه أشكلت المطالب ، وثارت الشبه ، واختلفت الطرق والمظان ، وصار الباحث وإن كان نحريرا نقابا يزل من شق إلى شق ، ويميل من جانب إلى جانب ، ولو استتب بالبحث على جدده ، واستتب القول في صدده ، كان العرفان على قدر الوجدان ، والبيان على قدر العرفان ، إنما أشكل المطلوب لأنك أردت أن تجد بالحس ما لا يوجد إلا بالعقل ، وتجد في العقل ما لا يوجد في الحس ، ولو رتبت كل شئ موضعه ووفيته ، لم يسم المطلوب أن يكون يقينا ، ولم يسم اليقين أن يكون مظنونا ، إلا بعكس جدك في ترتيبه . واحفظ نظامك منه فان تمامك به . أحي بالطبيعة غير بطر ، وتصفح بالنفس غير ملون ، ونل بالعقل كل ما تريد ،